حسن الأمين

83

مستدركات أعيان الشيعة

ذخائر الأستاذ العالم ليس يظهرها للتلميذ إلا عند السكون إليه ، وحمده غاية الحمد ، وذلك أن منزلة الأستاذ هي منزلة العلم نفسه ، ومخالف العلم مخالف الصواب ، ومخالف الصواب واقع في الخطا والغلط ، وهو ما ليس يؤثره عاقل ، فإذا لم يكن التلميذ على هذا المقدار من الطاعة للأستاذ ، أعطاه الأستاذ قشور العلم وظاهره . وليست أريد بطاعة التلميذ للأستاذ ، أن تكون هذه الطاعة في شؤون الحياة العملية الجارية ، بل أريدها طاعة في قبول العلم والدرس وسماع البرهان على أستاذه ، وحفظه ، وترك التكاسل والتشاغل عنه ، ذلك أن شؤون الحياة العملية لا قيمة لها عند الأستاذ الرباني ، لأن الأستاذ هو كالإمام للجماعة التي هو قيم بها ، وكالراعي ، والسائس ، للأشياء التي يتولى صلاحها وإصلاحها ، فمتى عسرت عليه ، أو عسرت عن التقويم ، فاما أن يطرحها وأما أن يتعبه تقويمها إلى أن تستقيم . . . وينبغي للتلميذ أن يكون صامتا للأستاذ ، كتوما لسره ، لأن التلميذ في هذه الحال كالأرض المزروعة التي يتخذها الإنسان لصلاح حاله : فان كانت تربتها طيبة استقر فيها البذر ، فازكى وأينع ، ورد أمثال بذره ، وإن كانت تربتها فاسدة قبيحة ، هلك البذر فيها ولم يثمر إلا ما هو قليل النفع ، . . . وواجب التلميذ أيضا أن يكون منقطعا إلى الأستاذ دائم الدرس لما أخذ عنه ، كثير الفكر فيه ، فليس في وسع الأستاذ إلا أن يعلم تلميذه أصول العلم ، وعلى التلميذ بعد ذلك أن يروض نفسه على ما قد تعلم . فاما ما يجب للتلميذ على الأستاذ فهو : أولا - أن يمتحن الأستاذ قريحة المتعلم ، وأعني بالقريحة جوهر المتعلم الذي طبع عليه ، ومقدار ما فيه من القبول ، والإصغاء إلى الأدب إذا سمعه ، وقدرته على حفظ ما قد تعلمه وعلى تذكره ، فإذا وجد الأستاذ تلميذه قبولا ، ذا أرض زكية ، وجوهر ترتضع فيه المعلومات كلما ارتسمت فيه ، أخذ يسقيه أوائل العلوم التي تتناسب مع قدرته على القبول ، وتتناسب مع سنه وخبرته ، ولم يزل به يلقنه العلم أولا أولا ، وكلما احتمل الزيادة زاده ، مع امتحانه فيما كان قد تعلمه ، فإن كان حافظا لما كان سقاه وغير مضيع له ، زاده في الشرب والتعليم ، وان وجده ينسى ويتخبل في حفظه ، أنقص له المقدار ، وعاتبه على ذلك عتابا كالايماء من غير إمعان في التصريح ، ثم امتحنه بعد ذلك ثانيا وثالثا ، فان وجده جاريا على ديدن واحد في النسيان ، هزه بالعتاب وأوجعه بالتقريع ، وبالغ في توبيخه . ومن أوائل العلوم يتدرج الأستاذ بتلميذه من مرتبة إلى مرتبة حتى يصير في عداد الأستاذين ، الذين يجب عليهم للتلامذة مثل ما وجب له في أول أمره ، وإذا بلد التلميذ إلى هذه المرتبة من العلم ومن رموزه وصغائره ولطائف ما فيه ، أصبح واجبه أن يعلمه ، فإن لم يفعل ذكره أستاذه بذلك قبل أن ينتقل إلى تلميذ سواه ، والأستاذ الذي يغفل عن تلميذه يكون خائنا ، والخائن لا يؤتمن ، ومن لا يؤتمن لا يؤخذ عنه علم ، لأن العالم لا يكون إلا صادقا . وبالجملة فاني أقول : إن سبيل الأستاذ والتلميذ أن يكونا متعاطفين بعضهما على بعض تعاطف قبول ، وأن يكون التلميذ كالمادة ، والأستاذ له كالصورة - انتهت مقالة الأستاذ والتلميذ . وإنه [ لمما ] لما يتصل بموضوع الأستاذ والتلميذ ما قد ذكره جابر في مواضع كثيرة جدا من الطريقة التي ينبغي للدارسين أن يتناولوا كتبه بها ، ونخص بالذكر في سياقنا هذا شروطه التي يشترطها على القارئ ، لأنها شروط منهجية سليمة في كل بحث علمي يرجع فيه صاحبه إلى النصوص والأصول والوثائق . ذلك أن جابرا يشترط على الدارس أن يقرأ كل كتاب من كتبه ثلاث قراءات متتالية ، لكل قراءة منها هدف خاص : أما القراءة الأولى فللتثبت من صحة ألفاظ النص ومن معاني تلك الألفاظ ، وأما القراءة الثانية فلدراسة هذا النص ، لا من حيث معانيه المباشرة ، بل بغية الوصول إلى مدلولاته البعيدة الخفية ، فما أكثر ما يكشف تحليل النص عن معان ما كانت لتظهر لو وقف الدارس عند ظاهر اللفظ وحده ، دون الغوص إلى ما هو منطو في تضاعيفه وثناياه ، وأما القراءة الثالثة فهي لتبويب المعاني وتصنيفها لعلنا نجمع الشبيه إلى شبيهه ، أو نوازن بين المتباين منها ، تصنيفا وموازنة من شانهما أن يبلغا بنا الغاية المرجوة من موضوع الدراسة ( 1 ) . على أن جابرا اشترط كذلك شرطا للقراءة الدارسة الفاحصة ، هو أيضا في صميم المنهج العلمي السليم ، إذ يشترط على الدارس أن يجمع كتبه كلها أولا ، قبل أن يهم بقراءة بعضها ، لكي يضيف ما في كل كتاب منها إلى ما في الآخر ( 2 ) ، لأن الكتاب الواحد قد ينفرد بمعنى واحد لا يشاركه فيه غيره ( 3 ) وعندئذ يكون الاكتفاء بدراسة بعض كتبه دون بعض مؤديا إلى تكوين فكرة مهوشة ناقصة عن مذهبه ، هذا فضلا عن أن كل كتاب من كتبه - كما يقول هو نفسه - إنما يعد شرحا لبقية الكتب كلها ، وهو في ذلك يقول عن كتبه : « فانا إنما نضرب المثل بعد المثل في المواضع على تفسير كتاب من كتاب في مسألة تمر بنا أو شيء مثل ذلك ، فان قواعد هذه الكتب إنما هي أنا نذكر في كل كتاب خاصة لجميعها ليست في غيره من الكتب ، وبعضها يشرح بعضا » ( 4 ) . تعريف الألفاظ : لقد بلغت الدقة العلمية المنهجية بجابر مبلغا بعيدا ، عندما أدرك في وضوح خطر تحديد المعاني الواردة في أي بحث علمي ، تحديدا يبين معالم الموضوع في حسم وجلاء ، ويساعد على استنباط الأفكار بعضها من بعض ، ولقد وضع في « الحدود » - أعني تعريف الألفاظ العلمية - كتابا سنوجز مادته فيما يلي ، لكننا نسارع هنا إلى إثبات عبارة قالها في تقديره لقيمة كتابه هذا ، لأنه تقدير يدل على وعيه الشديد بأهمية الموضوع ، فيقول : « يا ليت شعري كيف يتم عمل لمن لم يقرأ كتاب الحدود من كتبنا فإذا قرأته يا أخي ، فلا

--> ( 1 ) المقالة الثانية والستون من « كتاب الخواص الكبير » - مختارات ، ص 329 . ( 2 ) نفس المصدر ، ص 331 . ( 3 ) نفس المصدر ، ص 322 . ( 4 ) المقالة الرابعة والعشرون من « كتاب الخواص الكبير » مختارات ، ص 318 .